ليس كل الرجال سواء.
ثمة رجال يشبهون الرمال…
وثمة رجال يشبهون الجبال.
والحاج منصور بنمصور من أولئك الذين لا تُقاس قيمتهم بحجم ما يملكون، بل بحجم ما يُضيفونه… وما يخلّفونه… وما ينهض بهم المكان من حولهم.
في منطقة القرعة – قصر غيلان، بات اسمه بمثابة علامة مسجّلة، لا في السياحة فحسب، بل في الأخلاق، وفي الكرم، وفي الصدق النادر الذي لا يُشترى ولا يُتعلّم… بل يُولد مع الرجال الحقيقيين.
رجلٌ صاغته التجارة وصقلته الحياة
ولد الحاج منصور في بيئة بسيطة، لكنه حمل قلبًا كبيرًا وعقلاً يقظًا وروحًا لا تعرف الراحة.
بدأ حياته عاملًا صغيرًا في احدى المغازات بدوز، يتعلّم بالملاحظة، ويكبر بالتجربة.
تشرّب معنى المسؤولية قبل أن يبلغ سن الرشد، وعرف أن النجاح ليس صدفة ولا هبة… بل عرقٌ يُسفك، ووقتٌ يُضحّى به، وأمانة تُصان.
فتح محلّه الأول سنة 1993، وهو بالكاد في ال18. كان صغيرًا في السن، لكنه كبيرًا في الحلم. وفي كل مرة كان يوسّع تجارته، مرسخا مبدأ واحدًا: “كلمة الرجل عقد… والثقة رأس المال”.
تعلّم ذلك من الرجل الذي ظلّ حيًا في ذاكرته وقلبه:
سي أحمد المجنون رحمه الله.
كان أستاذه الأول في التجارة والأخلاق.
ليس غريبًا إذًا أن تظلّ بصمته واضحة في شخصية منصور، الذي حافظ على نقاء العلاقة بين التاجر والناس في زمنٍ تغيّر فيه الكثيرون.
الانتقال إلى السياحة… ولادة قدرٍ جديد
لم يكن الحاج منصور يخطط لدخول السياحة.
لكن الحياة تفتح أبوابها للجادين، وتختبر قلوب الذين يُعطون.
جاءه عرض اقتناء هذا المخيم فقبله على وجه دين وهو يعلم أنه يدخل عالمًا جديدًا لا يشبه ما تعوّد عليه.
كان المخيم في حالٍ لا يُسرّ أحدًا مطعما بسيطا و قاعة استقبال …
لم يكن مشروعًا جاهزًا، بل عبئًا.
لكن الحاج منصور بنمصور لا يرى الخراب… بل يرى ما يمكن أن يكون.
وهنا بدأ فصلٌ جديد من حياته.
باع أرض نخيل كانت تمثّل جزءًا من مستقبله، ووضع مالها في إعادة بناء المخيم.
لم يكن الأمر مشروعًا تجاريًا فقط… كان التزامًا معنويًا، ومسؤولية أمام المنطقة، وأمام نفسه.
Graa Paradies ….حين يصنع الرجل المكان
اولى اللبنات بدأت بـ50 خيمة بسيطة… ثم أدرك أنها لا تليق بالزائر ولا بالصحراء.
ففكّر، وجرّب، واجتهد، وأنجز فكرة الخيام العصرية المؤمّنة ذات الروح الصحراوية:
خيمة تحفظ الكرامة، وتمنح الراحة، وتحترم البيئة والإنسان.
ومع مرور السنوات، أصبح المخيم أفضل مخيم صحراوي في المنطقة وأكثرها تنظيمًا وثقة.
لم يكن ذلك بفضل الأموال فحسب، بل بفضل قلب رجل لا يرضى بالنصف: نصف جودة، أو نصف أمان، أو نصف خدمة.
لم يدّخر الحاج منصور مليمًا من مداخيل المخيم. كل قرش يعود مباشرة إلى البناء، إلى التطوير، إلى التحسين.
بل إنه ضخّ أموالًا إضافية من المقهى، ومن محله التجاري، ومن بيع التمور… فكان مشروعًا يأكل من تعبه ولا يأكل من جيوب الناس.
صبر و استثمار اعطى ثماره فارتفعت طاقة الاستيعاب إلى 268 سريرًا خلال 3 سنوات. و توسع المطعم إلى 240 كرسيًا. وتحسنت البنية التحتية و ازدهر الفضاء و توشح بمسبح و فضاءات خارجية ساحرة و مقهى يطيب فيه المذاق حتى غدا مزارا تؤمه ألاف الوفود رافقه ازدياد نسبة إقبال الوكالات و الوداديات و الادارات التونسية عليه لتغدو القرعة وجهة حقيقية لا محطة عبور.
كان وراء هذا كلّه رجلٌ يعمل ليلًا ونهارًا، لا يطلب شهرة ولا يبحث عن لقب، يرضيه أن يرى المكان أفضل مما وجده.
في الاثناء لم يعد مخيم Graa Paradies مجرّد نقطة مبيت في الصحراء، بل تحوّل إلى القبلة الأولى لزوار قصر غيلان، لما يوفره من خدمات راقية تُضاهي أعلى المعايير، لكن مع أسعار ثابتة وعادلة لا تقبل المنافسة. ففي عالمٍ ترتفع فيه التكلفة كل يوم، اختار الحاج منصور أن يبقى وفيًّا لفلسفته الأصلية: خدمة نظيفة، ضيافة أصيلة، سعر يحترم الزائر وقدرته.
لم تكن الجودة على حساب التكلفة، ولا السعر على حساب الكرامة، بل خلق توازنًا نادرًا جعل الزائر يشعر بأنه ضيفٌ مُكرم لا مجرّد رقم. حتى وكالات الأسفار تدرك هذا جيدًا، لذلك جعلت Graa paradies خيارها الأول دون نقاش، لأنه المخيم الذي جمع بين الراحة، والأمان، والذوق الرفيع… وبأسعار لا تشبه زمن اليوم. فضلا عن كونه يشّع على محيطه و يوفر مواطن عمل لعشرات الأسر العفيفة .
تشبّث بالأصل… وإحياء لقصر غيلان
رغم انشغالاته اليومية وضغط العمل، لم ينسَ الحاج منصور هذه الارض الطيبة و هذه القرية التي تشهد نزوحا .
حيث ظلّ متشبثًا بقصر غيلان، واعتبر أن نجاحه الحقيقي لا يقاس بعدد الخيام ولا بحجم الوفود، بل بقدرته على إعادة الروح إلى القرية الأصلية. ومن هنا، رفع صوته مرارًا للمطالبة بوسائل العيش الأساسية: مدرسة تحفظ حق الأطفال في التعليم، مركز صحي يضمن كرامة المرضى، ونشاط ثقافي يحيي روح المكان ويمنح الشباب متنفسًا. مدركا أن السياحة لا يمكن أن تزدهر في منطقة يموت فيها التعليم والصحة والثقافة، ولذلك ظلّ يدافع عن قصر غيلان باعتبارها جزءًا من هويته ومسؤوليته… لا مجرد نقطة على الخارطة مؤكدا على ضرورة أن تدافع الدولة عليها لما توفرّه من عملة صعبة و لما تقدمه من صورة مضيئة عن البلد .
مركز صحة اساسية داخل المخيم… خدمة إنسانية قبل أن تكون سياحية
وبعيدًا عن الربح والمردودية، خصّص الحاج منصور جزءًا من مساحة المخيم لإقامة مركز صحة اساسية صغير يرتاده أبناء المنطقة والزوار والعابرون.
لم يكن وجود هذا المركز مطلبًا سياحيًا، بل ضرورة إنسانية شعر بها الرجل كلما رأى شخصًا يحتاج إسعافًا أو دواءً أو رعاية عاجلة.
حيث تم تجهيز الفضاء، وتوفير المواد الأساسية، ووضع سيارة إسعاف رهن الإشارة على مدار الساعة، لضمان أن لا يواجه أي ساكن أو سائح لحظة خطر دون سند.
و قد تحوّل هذا المركز إلى نقطة أمانٍ حقيقية في قلب الصحراء، وإلى شاهد حيّ على قناعة الحاج منصور بأن خدمة الإنسان تأتي قبل خدمة السائح، وأن المخيم ليس فضاء سياحيًا فقط… بل مرفق حياة.
في العلاقة مع أصحاب القرار
يحظى الحاج بقدر كبير من الاحترام الرسمي ويُعامل دائمًا باعتباره رجلًا يمكن الاعتماد عليه في تطوير الجهة، وصاحب رؤية واضحة تسعى لخدمة المنطقة قبل خدمة مصالحه الخاصة.
وحيثما حلّ، يجد الترحاب والتقدير من السلطات، لأنه رجل لا يفتعل المشاكل، بل يبحث عن الحلول؛ ولا يطلب امتيازات، بل يقدّم مبادرات؛ ولا ينتظر دعما، بل يصنعه بجهده. و يؤمن بأن الدولة، مهما اختلفت الظروف، تبقى السند الأول للمستثمر الجاد، وأن التعاون معها واجب قبل أن يكون مصلحة.
وقد عبّر مرارًا عن امتنانه للمسؤولين الذين يزورون المنطقة و على رائهم الوزراء و السيد الوالي و معتمد الجهة ، لما يتابعونه عن كثب ، معتبرًا أن وجودهم قرب الناس هو عنصر يبعث على الثقة والطمأنينة.
ويحرص الحاج منصور دائمًا على احترام القانون، والاستجابة للإجراءات، وتقديم صورة مشرّفة للمستثمر المواطن الذي يرى في الدولة شريكًا لا خصمًا، وفي الإدارة مكمّلاً لا عائقًا.
قيمة اجتماعية قبل أن يكون مستثمرًا
قيمة منصور ليست في عدد الخيام، ولا في حجم المخيم، ولا في الأرباح.
قيمته في:
✓ صدقه الذي جعله محل ثقة الوكالات دون نقاش
✓ كرم ضيافته الذي أصبح يتحدث عنه الزوار قبل الصور
✓ احترامه للعاملين معه قبل الزائرين
✓ نيّته الطيبة التي تحوّل أي مشروع إلى بركة
هو رجل إذا أعطى… يعطي بصدق.
وإذا وعد… يفي.
وإذا تعامل… ترك أثرًا طيبًا.
و الحاج منصور بن منصور هو أصغر إخوته سنًا…
وأكبرهم قلبًا…
وأكثرهم خدمة لأمه…
وهذا ما يجعل الناس تحترمه قبل أن تعرفه. فهو رمز من رموز القرعة، وفي دوز، وفي كل منطقة تعاملت معه.
الناس لا تذكره كصاحب مخيم فقط…
بل تذكره كرجل يرفع الرأس، رجل “كلمة” و”مروءة” و”رجولة” و”نخوة”. صيحته مسموعة.
وقيمته محفوظة. وذكره طيب. وأثره باقٍ… لأن بناء الإنسان أبقى من بناء الحجر.
الحبيب العرفاوي
إلى الحاجة العارم
يا امرأة صنعت من الصبر وطنًا، ومن الحنان مدرسة، ومن الرجولة ابنًاءا …
يا من حملتِ الهمّ ولم تُظهريه، واحتضنتِ الألم ولم تشتكيه، وربّيتِ أبناءكِ بيدين أتعبهما العمل، لكن لم يتعبهما الحبّ يومًا.
أعرفُ — وكل من يعرف الحاج منصور يعرف — أنّه كلما نُطق اسمك،
ترتعش روحه… وتلمع عيناه بدمعة لا يستطيع إخفاءها.
ليس حزنًا… بل انحناءً أمام امرأة عظيمة أفنت عمرها كي لا ينكسر أبناؤها.
أنتِ البيت الذي لا يُغلق، والدعاء الذي لا ينطفئ، والقدَر الذي أعطاه الله لهم رحمةً وعونًا.من ذا الذي يحمل أمه إلى مكة 7 مرات غير ابنٍ عرف معنى البرّ؟
ومن ذا الذي لا يترك يومًا يمرّ دون أن يقبّل يدها ويطمئن عليها، سوى رجلٍ أدرك أن الجنة تحت أقدام الأمهات…
كنتِ له السند في الصغر ،
وصرتِ له البركة في الكبر
وأصبحتِ له الطريق حين اشتدت عليه الطرق.، وإن كان الحاج منصور رجلاً يحترمه الجميع ويحبّه كل من عرفه…
فإن جزءًا كبيرًا من هذا المجد يعود إلى امرأة اسمها العارم…
امرأة كانت وستظلّ دعاؤه الذي يسبق خطواته، ودمعته التي تطهّر قلبه، وقوته التي لا يراها الناس ولكن يشعرون بها من خلاله.يا أماه
لو اجتمعت جميع كلمات الدنيا لتصف ما أنتِ في قلب ابنك،
لَبقيتِ أكبر من الكلمات…
وأوسع من اللغة…
وأعمق من كل ما يُقال.حفظكِ الله، وأطال في عمرك،
وبارك في صحتك،
وجعل كل خطوة من خطواتك نورًا و عافية .







